محمد سعيد رمضان البوطي
276
فقه السيرة ( البوطي )
وفي هذه الفترة نفسها ، بدأ النبي عليه الصلاة والسلام يبعث كتبا إلى مختلف ملوك ورؤساء العالم يدعوهم فيها إلى الإسلام ونبذ ما هم عليه من الأديان الباطلة . روى ابن سعد في طبقاته : أنه صلى اللّه عليه وسلم لما رجع من الحديبية في ذي الحجة سنة ست ، أرسل الرسل إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام ، وكتب إليهم كتبا ، فقيل : يا رسول اللّه ، إن الملوك لا يقرأون كتابا إلا مختوما ، فاتخذ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يومئذ خاتما من فضة نقشه ثلاثة أسطر : محمد رسول اللّه ، وختم به الكتب ، فخرج ستة نفر من يوم واحد ، وذلك في المحرم سنة سبع ، وكان كل رجل منهم يتكلم بلسان القوم الذين بعثه إليهم . فكان أول رسول بعثه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي فأخذ كتاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فوضعه على عينيه ونزل من سريره ، فجلس على الأرض تواضعا ثم أسلم وشهد شهادة الحق ، وقال : لو كنت أستطيع أن آتيه لآتيته « 1 » . وبعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم دحية بن خليفة الكلبي إلى هرقل ملك الروم ، فدفع دحية بكتاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى عظيم بصرى ، فدفعه عظيم بصرى إلى هرقل ، فقرأه وكان فيه : « بسم اللّه الرحمن الرحيم ، من محمد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى هرقل عظيم الروم ، سلام على من اتبع الهدى أما بعد ، فإني أدعوك بدعاية الإسلام ، أسلم تسلم ، وأسلم يؤتك اللّه أجرك مرتين ، وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين « 2 » ، ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا اللّه ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون اللّه ، فإن تولوا فقولوا : أشهدوا بأنا مسلمون » « 3 » . قال ابن سعد في طبقاته : فقال هرقل بعد أن قرأ الكتاب لجمع من عظمائه وحاشيته : يا معشر الروم هل لكم في الفلاح والرشد وأن يثبت لكم ملككم وتتبعون ما قال عيسى ابن مريم ، قالت الروم ، وما ذاك أيها الملك ؟ قال : تتبعون هذا النبي العربي ، قالوا : فحاصوا حيصة حمر الوحش ، وتناجزوا ورفعوا الصليب ، فلما رأى هرقل ذلك منهم يئس من إسلامهم وخاف على نفسه وملكه ، فسكّتهم ثم قال : إنما قلت لكم ما قلت لأختبركم لأنظر كيف صلابتكم في دينكم ، فقد رأيت منكم الذي أحب ، فسجدوا له .
--> ( 1 ) طبقات ابن سعد : 2 / 23 باختصار . ( 2 ) الأريسيين : قال ابن حجر : جمع أريسي وهو منسوب إلى أريس ، وهو الفلاح ، والمقصود بالكلمة الأتباع وعامة الشعب . ( 3 ) متفق عليه عند البخاري ومسلم .